Powered By Blogger

الأحد، 19 أبريل 2020

أحكام التحكيم في العقود الإدارية

أحكام التحكيم في العقود الإدارية

دليل شامل لآليات حل المنازعات في التعاقدات الحكومية

تُعد العقود الإدارية ركيزة أساسية في تنفيذ المشروعات الحكومية وتسيير المرافق العامة، لكنها غالبًا ما تنطوي على تعقيدات ومخاطر قد تؤدي إلى نشوء نزاعات بين أطرافها. في هذا السياق، يبرز التحكيم كآلية فعالة وبديلة لحل هذه المنازعات بعيدًا عن الإجراءات القضائية التقليدية. يضمن التحكيم سرعة الفصل ومرونة أكبر في التطبيق، مما يعود بالنفع على كفاءة سير العمل.


مفهوم التحكيم في العقود الإدارية وأساسه القانوني

تعريف التحكيم الإداري

التحكيم في العقود الإدارية هو نظام قانوني يتم بموجبه اللجوء إلى أشخاص عاديين (المحكمين) للفصل في نزاع نشأ أو قد ينشأ بين الإدارة (الدولة أو أحد هيئاتها) وطرف آخر (غالبًا ما يكون قطاع خاص) بخصوص عقد إداري. يتم ذلك بناءً على اتفاق بين الطرفين، ويصدر المحكمون حكمًا ملزمًا لهما. يتميز هذا النوع من التحكيم بالمرونة والسرعة والكفاءة المتخصصة، مما يجعله خيارًا مفضلاً لحل العديد من النزاعات المعقدة. يجب أن يتوافق هذا الاتفاق مع القوانين والأنظمة المعمول بها.

الأساس القانوني للتحكيم الإداري في مصر

يستند التحكيم في العقود الإدارية بمصر إلى عدد من النصوص القانونية، أبرزها قانون التحكيم رقم 27 لسنة 1994 وتعديلاته. ومع ذلك، يظل للتحكيم الإداري خصوصية تتطلب موافقة صريحة من السلطة المختصة (مثل مجلس الوزراء أو الوزير المختص حسب قيمة العقد) قبل اللجوء إليه، وذلك حماية للمال العام وضماناً لعدم التفريط في حقوق الدولة. لقد أكدت أحكام المحكمة الإدارية العليا على ضرورة هذه الموافقة كشرط أساسي لصحة اتفاق التحكيم. بدون هذه الموافقة، يمكن أن يعتبر اتفاق التحكيم باطلاً، مما يعرض الحكم الصادر للطعن.

يلعب القضاء الإداري دورًا رقابيًا مهمًا في التحكيم الإداري، حيث يراقب مدى احترام الشروط القانونية والإجرائية لاتفاق التحكيم وللحكم الصادر عنه. هذا الدور لا يعني التدخل في موضوع النزاع، بل يهدف إلى التأكد من سلامة الإجراءات ومطابقتها للقانون والنظام العام. يجب على الأطراف التحقق من أن جميع الشروط متبعة بدقة لتجنب أي إبطال لاحق للحكم التحكيمي. يمثل هذا التوازن بين مرونة التحكيم ورقابة القضاء ضمانة مهمة لمشروعية العملية.

شروط وإجراءات اللجوء إلى التحكيم الإداري

الشروط الموضوعية للتحكيم

لصحة اللجوء إلى التحكيم في العقود الإدارية، يجب توافر شروط موضوعية محددة. أولاً، يجب أن يكون هناك اتفاق تحكيم مكتوب، سواء كان شرطًا ضمن العقد الإداري الأصلي (شرط التحكيم) أو اتفاقًا لاحقًا ومستقلاً عن العقد بعد نشوء النزاع (مشارطة التحكيم). ثانياً، يجب أن يكون النزاع قابلاً للتحكيم، فلا يجوز التحكيم في المسائل المتعلقة بالنظام العام أو حقوق السيادة للدولة. ثالثاً، يجب أن يكون أطراف العقد الإداري لهم الأهلية القانونية للاتفاق على التحكيم، مع مراعاة ضرورة الحصول على الموافقة الصريحة من السلطة المختصة للإدارة.

من أهم الحلول العملية لمشكلة عدم قابلية النزاع للتحكيم هي تحديد نطاق شرط التحكيم بدقة في العقد، وتجنب تضمين النزاعات المتعلقة بالقرارات الإدارية البحتة التي لا يمكن فصلها عن جوهر السيادة. يجب أن ينصب التحكيم على الجوانب التعاقدية البحتة للعقد الإداري، مثل تفسير بنود العقد أو المسؤولية العقدية. لضمان ذلك، ينبغي الاستعانة بمحامين متخصصين في القانون الإداري والتحكيم عند صياغة العقود وتحديد نطاق التحكيم بوضوح. هذه الخطوة تساهم في تفادي النزاعات حول اختصاص المحكمين مستقبلاً.

الشروط الإجرائية للتحكيم

تتضمن الشروط الإجرائية للتحكيم مجموعة من الخطوات التي يجب اتباعها لضمان صحة إجراءات التحكيم. أولاً، يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوباً ومحددًا بوضوح. ثانياً، يجب أن يتضمن الاتفاق آلية لتشكيل هيئة التحكيم، سواء بتعيين المحكمين مباشرة أو بوضع أسس لاختيارهم. ثالثاً، يجب تحديد القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع وعلى إجراءات التحكيم نفسها. رابعاً، يجب تحديد مكان التحكيم ولغة الإجراءات. خامساً، يجب إخطار جميع الأطراف بمواعيد وإجراءات التحكيم بشكل سليم.

في حال عدم وجود شرط تحكيم مسبق في العقد الإداري، يمكن للأطراف اللجوء إلى التحكيم عن طريق إبرام “مشارطة تحكيم” بعد نشوء النزاع. يجب أن تتوافر في هذه المشارطة جميع الشروط السابقة، بالإضافة إلى موافقة السلطة المختصة للإدارة. للتعامل مع مشكلة عدم الاتفاق على تشكيل هيئة التحكيم، يمكن تحديد سلطة قضائية (مثل رئيس المحكمة المختصة أصلاً بالنزاع) لتعيين المحكمين في حال تعذر الاتفاق. هذا يوفر حلاً عمليًا لتجاوز الجمود ويسهل بدء إجراءات التحكيم دون تأخير.

أنواع التحكيم في العقود الإدارية

التحكيم الحر والمؤسسي

يُقصد بالتحكيم الحر (أو الخاص) ذلك التحكيم الذي يديره الأطراف بأنفسهم دون اللجوء إلى مؤسسة تحكيمية قائمة. يقوم الأطراف بتحديد القواعد والإجراءات بأنفسهم أو بالاتفاق على قواعد مرجعية. بينما التحكيم المؤسسي هو الذي يتم إجراؤه تحت إشراف مركز تحكيمي متخصص، مثل مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي. توفر هذه المراكز قواعد إجرائية جاهزة، وقوائم بالمحكمين المؤهلين، وتدير الجوانب الإدارية للتحكيم. يفضل التحكيم المؤسسي للعقود الإدارية الكبيرة والمعقدة لضمان الحيادية والاحترافية.

لتقديم حلول عملية، عند اختيار التحكيم الحر، يجب على الأطراف صياغة بند التحكيم بدقة متناهية ليغطي جميع الجوانب الإجرائية، بما في ذلك طريقة تعيين المحكمين، وإدارة الجلسات، وتوزيع التكاليف، وإصدار الحكم. أما عند اختيار التحكيم المؤسسي، فيجب تحديد المؤسسة التحكيمية بوضوح في العقد، مع الإشارة إلى القواعد الإجرائية المتبعة لديها. يُنصح باللجوء إلى مراكز تحكيم ذات سمعة جيدة وخبرة في مجال العقود الإدارية لضمان كفاءة وفعالية الإجراءات. هذا يساعد في تجنب النزاعات الإجرائية لاحقًا.

التحكيم الوطني والدولي

يُعد التحكيم وطنيًا إذا كان جميع الأطراف من جنسية واحدة، ويتم النزاع في دولة واحدة، وتنطبق عليه قوانين تلك الدولة. أما التحكيم الدولي، فيكون النزاع ذا طبيعة دولية، سواء بسبب اختلاف جنسيات الأطراف، أو وجود مقر أعمالهم في دول مختلفة، أو تنفيذ العقد في أكثر من دولة. للتحكيم الدولي قواعد وإجراءات خاصة قد تختلف عن التحكيم الوطني، وغالباً ما يخضع للاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية نيويورك بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها.

عند صياغة شروط التحكيم في العقود الإدارية ذات الطابع الدولي، يجب الانتباه إلى عدة نقاط لتحديد نوع التحكيم بشكل صحيح. أولاً، تحديد جنسية الأطراف ومقار أعمالهم بدقة. ثانياً، تحديد القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع وعلى إجراءات التحكيم، مع إمكانية اختيار قانون مختلف لكل منهما. ثالثاً، تحديد مكان التحكيم بعناية، فقد يكون له تأثير كبير على القانون الإجرائي الواجب التطبيق. هذه الخطوات تساعد في تحديد ما إذا كان التحكيم سيكون وطنيًا أم دوليًا وتحديد القواعد المناسبة له.

التحكيم بالصلح والتحكيم بالقانون

التحكيم بالصلح هو الذي يفوض فيه الأطراف المحكمين بالفصل في النزاع وفقاً لمبادئ العدالة والإنصاف دون التقيد الصارم بالقواعد القانونية (ما يعرف بـ “التحكيم بوصفهم وسطاء وديين”). أما التحكيم بالقانون، فيجب على المحكمين فيه تطبيق نصوص القانون الواجب التطبيق على النزاع بدقة. في العقود الإدارية، غالبًا ما يُفضل التحكيم بالقانون للحفاظ على مبدأ المشروعية وحماية المال العام، إلا إذا كانت هناك ظروف خاصة تتطلب مرونة أكبر.

لتجنب المشاكل المتعلقة بنوع التحكيم، يجب على الأطراف تحديد ما إذا كانوا يفضلون التحكيم بالصلح أم بالقانون بوضوح في اتفاق التحكيم. في العقود الإدارية، يوصى بشدة بالتحكيم بالقانون لضمان تطبيق القواعد القانونية المنظمة للعقود الإدارية وحماية مصالح الإدارة. في حال اختيار التحكيم بالصلح، يجب أن تكون هذه الصلاحية ممنوحة بوضوح للمحكمين، وأن تكون في حدود ما تسمح به القوانين المنظمة. هذه الدقة في التحديد تقلل من فرص الطعن في حكم التحكيم بدعوى مخالفته للقانون أو تجاوز المحكمين لصلاحياتهم.

تحديات التحكيم في العقود الإدارية وطرق التغلب عليها

تحدي قبول الإدارة للتحكيم

يواجه التحكيم في العقود الإدارية تحديًا رئيسيًا يتمثل في تحفظ بعض الجهات الإدارية على اللجوء إليه، وذلك لأسباب تتعلق بالسيادة وحماية المال العام والإجراءات البيروقراطية. قد ترى الإدارة أن التحكيم يحد من سلطتها التقديرية أو يعرض قراراتها للمراجعة من قبل جهات غير قضائية. هذا التحدي يتطلب جهودًا كبيرة لإقناع الإدارة بفوائد التحكيم كآلية فعالة لحل النزاعات بسرعة وكفاءة مع الحفاظ على مصالحها. يتطلب ذلك فهمًا عميقًا للقانون والقدرة على عرض المزايا.

للتغلب على تحدي قبول الإدارة للتحكيم، يمكن اتباع عدة طرق عملية. أولاً، التوعية المستمرة للمسؤولين في الجهات الإدارية بأهمية وفوائد التحكيم، خاصة في العقود الكبيرة والمعقدة، والتي تساهم في تسريع وتيرة المشروعات وتقليل التكاليف. ثانياً، صياغة بنود تحكيم واضحة ودقيقة تضمن حقوق الإدارة وتحدد بوضوح القانون الواجب التطبيق ومكان التحكيم. ثالثاً، الاستعانة بالخبراء القانونيين المتخصصين في التحكيم الإداري لتقديم المشورة والدعم للجهات الإدارية في جميع مراحل التحكيم. هذا يضمن حماية مصالح الإدارة بشكل كامل وفعال.

تحديات تنفيذ الحكم التحكيمي

قد تواجه أحكام التحكيم الصادرة في منازعات العقود الإدارية تحديات عند التنفيذ، خاصة إذا كان الحكم صادرًا ضد جهة إدارية. قد تتذرع الإدارة بمبدأ حصانة أموال الدولة من الحجز أو صعوبة تخصيص الموارد المالية اللازمة للتنفيذ الفوري. هذا يتطلب إجراءات خاصة لضمان تنفيذ الحكم بشكل فعال. التحدي الرئيسي هنا هو التوفيق بين ضرورة حماية المال العام وحقوق الدولة، وضمان إنفاذ الأحكام التحكيمية التي صدرت بشكل صحيح وملزم لكلا الطرفين. هذه المسألة تحتاج إلى حلول قانونية وإجرائية مبتكرة.

لتقديم حلول عملية لمشكلة تنفيذ الحكم التحكيمي ضد الإدارة، يمكن تضمين بنود في العقد الإداري تلزم الإدارة بتقديم ضمانات مالية أو تأكيدات على تخصيص الموارد اللازمة لتغطية أي مبالغ قد يحكم بها التحكيم. كما يمكن اللجوء إلى الاتفاقيات الدولية التي تسهل تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية في حال كان التحكيم دوليًا. على المستوى الوطني، يجب على الطرف المحكوم له الحصول على صيغة التنفيذ من المحكمة المختصة، والتعامل مع الجهات الإدارية المعنية بتنفيذ الأحكام بحذر واحترافية. يجب أن تتم المتابعة القانونية بشكل دقيق لضمان سير إجراءات التنفيذ.

مشكلة اختيار المحكمين

يُعد اختيار المحكمين ذا أهمية قصوى في التحكيم الإداري، حيث يتطلب المحكمون خبرة قانونية عميقة في القانون الإداري والتحكيم، بالإضافة إلى الحياد والاستقلالية. قد تواجه الأطراف صعوبة في الاتفاق على محكمين يمتلكون هذه الصفات، خاصة في النزاعات المعقدة. قد يؤدي سوء اختيار المحكمين إلى صدور حكم ضعيف أو متحيز، مما قد يؤدي إلى الطعن عليه بالبطلان. لذلك، يجب إيلاء اهتمام خاص لعملية اختيار المحكمين لضمان عدالة ونزاهة الإجراءات.

لحل مشكلة اختيار المحكمين، يمكن للأطراف الاتفاق على آلية واضحة ومحددة لاختيارهم في بند التحكيم، مثل تحديد قائمة بأسماء محكمين معتمدين أو تفويض مركز تحكيمي متخصص لتعيينهم. يجب التأكد من أن المحكمين المقترحين لديهم الخبرة اللازمة في مجال العقود الإدارية والقانون الإداري. في حال عدم الاتفاق، يمكن أن يتدخل رئيس المحكمة المختصة لتعيين المحكمين بناءً على طلب أحد الأطراف. هذا يضمن استمرار عملية التحكيم ويقلل من فرص الجمود، مما يسهم في الوصول إلى حلول عادلة ومنصفة.

تنفيذ أحكام التحكيم وطرق الطعن عليها

إجراءات تنفيذ حكم التحكيم

بعد صدور حكم التحكيم في العقود الإدارية، يصبح ملزمًا لأطراف النزاع. لتنفيذه، يجب أولاً الحصول على صيغة التنفيذ من المحكمة المختصة (في مصر، محكمة الاستئناف). تقوم المحكمة بمراجعة شكلية للحكم للتأكد من خلوه من أي عيوب قد تؤدي إلى بطلانه، ولا تتدخل في موضوع النزاع. بعد الحصول على صيغة التنفيذ، يصبح الحكم قابلاً للتنفيذ الجبري، ويكون له قوة السند التنفيذي. يتطلب هذا الإجراء اتباع خطوات قانونية دقيقة لضمان صحة التنفيذ وفعاليته.

عند تنفيذ الحكم التحكيمي الصادر ضد جهة إدارية، قد تكون هناك بعض الخصوصيات. يجب على الطرف المحكوم له تقديم طلب التنفيذ إلى الجهات الإدارية المعنية مباشرة، مع ضرورة إرفاق صيغة التنفيذ الصادرة من المحكمة. في حال امتناع الإدارة عن التنفيذ، يمكن اللجوء إلى إجراءات التنفيذ الجبري المنصوص عليها في القانون، مع مراعاة القواعد الخاصة بحماية أموال الدولة. ينبغي التأكيد على أهمية التواصل الفعال مع الجهات الحكومية المعنية ومتابعة الإجراءات بدقة لضمان سرعة التنفيذ وعدم تعطيله.

دعوى بطلان حكم التحكيم

على الرغم من أن حكم التحكيم يُعد نهائيًا وملزمًا، إلا أنه يمكن الطعن عليه بدعوى بطلان أمام المحكمة المختصة (محكمة الاستئناف) في حالات محددة وشديدة الحصر. هذه الحالات لا تتعلق بموضوع النزاع، بل بعيوب إجرائية جوهرية تؤثر على صحة الحكم، مثل عدم وجود اتفاق تحكيم، أو بطلان اتفاق التحكيم، أو صدور الحكم من هيئة تحكيم غير مشكلة تشكيلاً صحيحاً. كما يمكن الطعن إذا خالف الحكم النظام العام للدولة. يجب تقديم دعوى البطلان خلال مواعيد محددة قانونًا.

للتعامل مع دعوى بطلان حكم التحكيم، يجب على الأطراف، خاصة الطرف الذي يرى أن الحكم به عيب، الاستعانة بمحامين متخصصين لتقديم الدعوى في المواعيد القانونية المحددة. يجب أن تستند الدعوى إلى أسباب بطلان واردة في القانون على سبيل الحصر، مع تقديم الأدلة الدامغة التي تثبت وجود هذا العيب. أما الطرف الآخر، فيجب عليه إعداد دفوعه القانونية لبيان سلامة إجراءات التحكيم وصحة الحكم الصادر. فهم هذه الإجراءات بدقة يساعد في حماية حقوق الأطراف وتقليل مخاطر إلغاء الحكم التحكيمي.

حلول عملية للتعامل مع منازعات التحكيم الإداري

أهمية الصياغة الدقيقة لشرط التحكيم

تُعد الصياغة الدقيقة لشرط التحكيم في العقد الإداري الحل الأهم لتجنب معظم المشكلات القانونية والإجرائية التي قد تنشأ لاحقًا. يجب أن يتضمن الشرط بوضوح: اتفاق الأطراف على التحكيم، نطاق النزاعات التي يمكن إحالتها للتحكيم، تحديد مركز التحكيم (إذا كان مؤسسيًا) أو آلية اختيار المحكمين (إذا كان حرًا)، عدد المحكمين، اللغة التي سيتم بها التحكيم، مكان التحكيم، والقانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع وعلى إجراءات التحكيم. هذه الدقة توفر خريطة طريق واضحة لحل أي خلاف مستقبلي.

لتطبيق هذه الحلول، يجب أن يشارك محامون متخصصون في صياغة شرط التحكيم، لضمان تغطية جميع الجوانب القانونية والفنية. يجب مراجعة الشرط بدقة قبل التوقيع على العقد الإداري. من الأخطاء الشائعة هي استخدام صيغ عامة أو غامضة لا تحدد آليات التحكيم بوضوح، مما يؤدي إلى خلافات حول اختصاص المحكمين أو إجراءات التحكيم. الصياغة المحكمة تساهم في تسريع عملية التحكيم وتوفير الوقت والجهد، وتجنب أي طعون مستقبلية على اتفاق التحكيم أو الحكم الصادر عنه.

دور الوساطة والتوفيق قبل اللجوء للتحكيم

قبل اللجوء إلى التحكيم، الذي قد يكون مكلفًا ويستغرق وقتًا، يمكن للأطراف استكشاف آليات بديلة لتسوية المنازعات مثل الوساطة والتوفيق. تسمح هذه الآليات للأطراف بالتفاوض بمساعدة طرف ثالث محايد (الوسيط أو الموفق) للوصول إلى حل ودي يرضي جميع الأطراف. الوساطة والتوفيق أقل رسمية ومرونة من التحكيم، وتوفر بيئة مواتية للحفاظ على العلاقات التعاقدية بين الإدارة والطرف الآخر. غالبًا ما تكون هذه الحلول أسرع وأقل تكلفة من التحكيم أو التقاضي.

للاستفادة من هذه الحلول، يمكن تضمين بند في العقد الإداري ينص على وجوب اللجوء إلى الوساطة أو التوفيق كخطوة أولى قبل إحالة النزاع إلى التحكيم. يجب تحديد مدة زمنية لهذه الإجراءات. في حال فشل الوساطة أو التوفيق في التوصل إلى حل، يمكن حينها الانتقال إلى التحكيم. هذا النهج المتدرج يتيح للأطراف فرصًا متعددة لحل النزاع وديًا قبل الدخول في إجراءات أكثر تعقيدًا وإلزامًا. هذا الأمر يساهم في توفير الموارد المالية والوقت للطرفين وتقوية جسور الثقة بينهما.

التدريب والتأهيل لأطراف العقد

يُعد تدريب وتأهيل الأفراد والمسؤولين المعنيين بالعقود الإدارية في الجهات الحكومية والشركات الخاصة على آليات حل المنازعات، بما في ذلك التحكيم، حلاً جوهريًا للعديد من التحديات. هذا التدريب يشمل فهم طبيعة العقود الإدارية، وأهمية شرط التحكيم، وكيفية صياغته، وإجراءات التحكيم، وحقوق وواجبات كل طرف. يزيد الوعي القانوني بفوائد التحكيم وكيفية التعامل معه من فرص النجاح في حل النزاعات، ويقلل من الأخطاء التي قد تؤدي إلى إبطال الإجراءات.

لتطبيق هذا الحل، يجب على الجهات الإدارية والشركات الاستثمار في برامج تدريب متخصصة لموظفيها المشاركين في إبرام وتنفيذ العقود الإدارية. يمكن تنظيم ورش عمل ودورات تدريبية بالتعاون مع خبراء قانونيين ومراكز تحكيم متخصصة. يساهم هذا التدريب في بناء قدرات داخلية للتعامل مع منازعات التحكيم بكفاءة، ويسهل عملية اتخاذ القرار في مراحل التفاوض والتحكيم. الوعي والمعرفة المتخصصة هي مفتاح تحقيق أفضل النتائج في حل النزاعات العقدية الإدارية بفعالية.



 

مشروعية اللجوء الى الوسائل البديلة في تسوية منازعات العقود الادارية الاستاذ الدكتور

مشروعية اللجوء
الى الوسائل البديلة في تسوية منازعات العقود الادارية

الاستاذ الدكتور                                                                          المستشار الدكتور
مازن ليلو راضي                                                                         قيصر يحيى جعفر
مجلس الدولة / العراق


مقدمة
    قاد التطور الكبير الذي عرفته التجارة الدولية وحاجة الدول العربية ومنها مصر والعراق الى الاستثمار,  الى  إن  يعمل المشرع فيها  الى استحداثه للآليات بديلة عن القضاء وبالتالي كان لزما عليه تطوير المنظومة التشريعية و مواكبة تطور القوانين المقارنة، وكذا التوافق التام و التناسق مع الاتفاقيات الدولية و المعاهدات التي انظم  إليها العراق , الامر الذي جعل مفهوم السيادة والحصانة التي تتمتع بها الدول يتغير شيئا فشيئا، فبعد أن كانت الدول لا تقبل بغير قضائها الوطني في حسم المنازعات سيما الادارية منها ،أصبحت تتنازل عن هذه السيادة وتقبل بإحالة منازعاتها إلى غير قضائها الوطني،  تلبية لرغبة هذه الشركات التي كانت ترفض اللجوء إلى قضاء الدول التي تستثمر فيها لأنها ترى في القضاء الوطني لم تكن تثق في القضاء الوطني للدول التي تستثمر فيها، حيث كانت تضمن العقود التي تبرمها في الدول التي تستثمر بندا يضمن اللجوء الى الوسائل البديلة عن القضاء .
    وتطرح الوسائل البديلة  في منازعات العقود الادارية  إشكالات متعددة ترتبط أساسا بإمكانية اعتماد هذا الطريق البديل في حل النزاعات ذات الطبيعة الإدارية نظرا لخصوصية هذه النزاعات و اختلافها عن النزاعات في القضاء العادي إذ أن العلاقات القانونية فيما بين السلطات العامة بعضها ببعض.  و كذلك بين الأفراد هي علاقات ذات أطراف متساوية، و لكن الأمر مختلف بالنسبة للعلاقة بين الفرد و الدولة، إذ لا تكون بين طرفين متساويين بل تكون الدولة فيها على قدر أعلى من الفرد، و ذلك بموجب السلطة العامة التي منحت له ، الأمر الذي جعل المشرع العراقي يتبنى الوسائل البديلة عبر مراحل متعددة وبتأني .

الأربعاء، 15 أبريل 2020

البيع في الفقه الإسلامي ( مشروعيته وأنواعه ) دراسة عن المرابحة كأهم الأساليب المستخدمة في المصارف الإسلامية بحث تمهيدي لنيل درجة الماجستير في الاقتصاد والمصارف الإسلامية


جامعة سانت كليمنتس
مكتب الارتباط الرئيسي
الشارقة للاستشارات الأكاديمية والجامعية
قسم الاقتصاد الإسلامي




البيع في الفقه الإسلامي
( مشروعيته وأنواعه )

دراسة عن المرابحة كأهم الأساليب المستخدمة في المصارف الإسلامية

بحث تمهيدي لنيل درجة الماجستير
في الاقتصاد والمصارف الإسلامية


إعداد الطالب
محمد عبد الرؤوف حمزة


بإشراف الدكتور
مسلم اليوسف

                                                              





                 
                          
                                                                                   1427-1428هـ / 2006-2007م


المحتويات

الموضوع                                                          الصفحة
مقدمة                                                                     2
أهمية وهدف البحث                                                       3
فرضية البحث                                                             3
منهج البحث                                                               3

المبحث الأول : البيع                                             4
المطلب الأول : تعريف البيع                                    5
المطلب الثاني : أركان البيع                                    8
المطلب الثالث : أنواع البيع                                     12
المطلب الرابع : البيوع المستخدمة لدى البنوك الإسلامية           16

المبحث الثاني : المرابحة                                         18
المطلب الأول : المرابحة العادية                                 18
المطلب الثاني : طبيعة المرابحة ومشروعيتها                     19
المطلب الثالث : شروط صحة المرابحة                          21

المصادر والمراجع                                                 23
المقدمة
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن والاهم بإحسان إلى يوم الدين . . وبعد :
فقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم ، وسخر له الكون وفضله على باقي الخلق عندما أعطاه عقلاَ ليتدبر به ويعرف كيف يميز بين الضار والنافع ، والخبائث والطيبات ، ليستغله في تحقيق معنى العبادة ، لأنها الهدف الأسمى من خلقه ، قال الله تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات : 56
وإذا كانت معرفة الضار من النافع وتحري الطيبات من دون الخبائث يتطلب أفضل الوسائل والأساليب في مختلف مجالات الحياة ، فإن البحث عن هذه الوسائل والأساليب يعد من جوهر العبادة ، بل إنه لايمكن تحقيق أولويات وأهداف الشريعة من دون أن يتم هذا البحث .
ومن هذا المبدأ تعد دراسة البيع ومعه أحد أساليب الاستثمار الإسلامي ( المرابحة) وأثرها على تطور المصارف الاسلامية من حيث تعظيم المنفعة والفائدة على المصارف والمجتمع على حد سواء ، يعتبر أحد أهم عناصر النظام الإنمائي الاسلامي بشرط أن تقوم على أسس وضوابط الشريعة السمحة ، سواء كان ذلك على صعيد الأفراد أم على صعيد الجماعة أم على صعيد المؤسسات .
وتأتي هذه الدراسة جزءاً من الدراسات الإقتصادية الإسلامية التي نسعى من خلالها تبيين الحركة الإقتصادية  في البلاد الإسلامية ومؤسساتها بالشكل الصحيح



أهمية وهدف البحث


من أجل الإحاطة بهذه الجوانب ولأجل بيان بعض إمكانيات الشريعة الإسلامية في الجانب الإنمائي وقدرتها على التأثير في المصارف الإسلامية وتحقيق المستوى اللائق من النتائج المادية والمعنوية عن طريق تفعيلها في الحياة الإقتصادية وإعطاء صورة واضحة عن أداء البيع في الشريعة وإمكانية تطبيق إحدى  استخداماته في المصارف الإسلامية ، وتمكينها في الاستفادة من أسلوب المرابحة كأحد تلك الاستخدامات البيعية .

فرضية البحث

اعتبار بيع المرابحة شكل شرعي لا يحتمل أسلوب مخالف لأحكام الشريعة وله أثر إيجابي على تنمية المصرف الإسلامي


منهجية البحث


 اعتمدت في هذا البحث على منهج استدلالي استنباطي، فابتدأت بتجميع ما أوردته المراجع الأصلية من أمهات كتب الفقه عامة و كتب فقه المعاملات خاصة، و ما اجتهد به أصحاب المذاهب الأربعة المعتمدة وما أوردته بعض كتب الإقتصاد والبنوك الإسلامية وبعض كتب القانون وكل ذلك في ظل إطار اقتصادي إسلامي .



المبحث الأول
البيع


       إن البيع والشراء من أهم مجالات التعامل التجاري ، وقد أكدت الشريعة الإسلامية على جوازها ضمن ضوابط وشروط محددة ، ولهذا سنقوم بإيضاح طبيعة العقد ومشروعيته وأنواعه حتى يكون الموضوع واضحاً نظرياً لدينا عند تناول التطبيق العملي لدى البنوك الإسلامية ، وذلك في عدد من المطالب .

المطلب الأول : تعريف البيع
المطلب الثاني : أركان البيع
المطلب الثالث : أنواع البيوع
المطلب الرابع : البيوع المستخدمة لدى البنوك الإسلامية




المطلب الأول
تعريف البيع

       البيع في اللغة : مقابلة شيء بشيء ، فمقابلة السلعة بالسلعة تسمى بيعاً لغة كمقابلتها بالنقد ، ويقال لأحد المتقابلين مبيع وللآخر ثمن .
       وقال بعض الفقهاء : إن معناه في اللغة تمليك المال بالمال وهو بمعنى التعريف الأول .
       وقال آخرون : أنه في اللغة إخراج ذات عن الملك بعوض وهو بمعنى التعريف الثاني ، لأن إخراج الذات عن الملك هو معنى تمليك الغير للمال ، فتمليك المنفعة بالإجارة ونحوها لا يسمى بيعاً .
       أما الشراء فإنه إدخال ذات في الملك بعوض ، أو تملك المال بالمال ، على أن اللغة تطلق كلاً من البيع والشراء على معنى الآخر ، فيقال لفعل البائع : بيع وشراء كما يقال ذلك لفعل المشتري ومنه قوله تعالى : [ وشروه بثمن ] . سورة يوسف ، آية 20 . فإن معنى شروه في الآية باعوه ، وكذلك الاشتراء والابتياع فإنهما يطلقان على فعل البائع والمشتري لغة .
       إلاّ أن العرف قد خص المبيع بفعل البائع وهو إخراج الذات في الملك ، وخص الشراء والاشتراء والابتياع بفعل المشتري وهو إدخال الذات في الملك . [1]
مشروعية البيع :
       إن مشروعية البيع ثابتة بالكتاب والسنّة والإجماع .
       في الكتاب : ورد في القرآن الكريم [ وأحل الله البيع وحرم الربا ] . سورة البقرة ، الآية 275 .
       وفي سورة النساء : [ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم ] . سورة النساء ، الآية 29 .
       وقوله تعالى : [ فاشهدوا إذا تبايعتم ] . سورة البقرة ، الآية 282 .
       فهذه الآيات صريحة في حل البيع وإن كانت مسوقة لأغراض أخرى غير إفادة الحل، لأن الآية الأولى مسوقة لتحريم الربا ، والثانية مسوقة لنهي الناس عن أكل أموال بعضهم بعضاً بالباطل ، والثالثة مسوقة للفت الناس إلى ما يرفع الخصومة ، ويحسم النزاع من الاستشهاد عند التبايع . [2]
       في السنّة : فالنبي (ص) قد باشر البيع وشاهد الناس يتعاطون البيع والشراء فأقرهم ولم ينهاهم عنه . [3]
       ومنها قوله (ص) : ( لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه ، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه ) ، رواه البخاري . وفي هذا الحديث إشارة إلى ما يجب على الإنسان من العمل في هذه الحياة ، فلا يحل له أن يهمل طلب الرزق اعتماداً على سؤال الناس ، كما لا يحل له أن يستنكف عن العمل ، سواءً كان جليلاً أو حقيراً ، بل عليه أن يعمل بما هو ميسر له .
       ومنها قوله عليه الصلاة والسلام : ( الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر ، والملح بالملح سواءً بسواء ، مثلاً بمثل ، يداً بيد ، فمن زاد أن استزاد فقد أربى ، فإذا اختلفت هذه الأجناس فيبيعوا كيف شئتم ) رواه مسلم ، فقوله فبيعوا كيف شئتم صريح في إباحة البيع .
ومنها قوله عليه الصلاة والسلام : ( أفضل الكسب بيع مبرور ، وعمل الرجل بيده ) رواه أحمد والطبراني وغيرهما ، والبيع المبرور هو الذي يبر فيه صاحبه فلم يغش ولم يخن ولم يعص الله فيه ، وحكمه حله ما يترتب عليه من تبادل المنافع بين الناس ، وتحقيق التعاون بينهم .
       فينتظم بذلك معاشهم ، وينبعث كل واحد إلى ما يستطيع الحصول عليه من وسائل العيش ، فهذا يغرس الأرض بما منحه الله من قوة بدنية وألهمه من علم بأحوال الزرع ويبيع ثمرها لمن لا يقدر على الزرع ولكنه يستطيع الحصول على الثمن من طريق أخرى ، وهذا يحضر السلعة من الجهات الثانية ويبيعها لمن ينتفع بها ، وهذا يجيد ما يحتاج إليه الناس من صناعة ليبيع عليهم مصنوعاته ، فالبيع والشراء من أكبر الوسائل الباعثة على العمل في هذه الحياة الدنيا ، وأجل أسباب الحضارة والعمران . [4]
       الإجماع : وقد أجمع الأئمة على مشروعية البيع وأنه أحد أسباب التملك. [5]
       كما أن الحكمة تقتضيه ، لأن الحاجة ماسة إلى شرعيته ، إذ الناس محتاجون إلى الأعواض والسلع والطعام والشراب الذي في أيدي بعضهم ولا طريق لهم إليه إلاّ بالبيع والشراء .
       في القانون الوضعي : البيع تمليك مال أو حق مالي لقاء عوض . [6]    البيع عقد يلتزم به البائع أن ينقل للمشتري ملكية شيء أو حقاً مالياً آخر في مقابل ثمن نقدي . [7]



المطلب الثاني
أركان البيع
       أركان البيع ستة وهي الصيغة والعاقد والمعقود عليه ، وكل منهما قسمان لأن العاقد إما أن يكون بائعاً أو مشترياً ، والمعقود عليه إما أن يكون ثمناً أو مثمناً والصيغة إما أن تكون إيجاباً أو قبولاً ، فالأركان ستة والمراد بالركن هنا ما يتوقف عليه وجود الشيء وإن كان غير داخل في حقيقته ، وهذا مجرد اصطلاح، لأن ركن الشيء الحقيقي هو أصله الداخل فيه ، وأصل البيع هو الصيغة التي لولاها ما اتصف العاقدان بالبائع والمشتري ، ولكل ركن من الأركان أحكام وشروط سنذكرها على الترتيب الذي يلي :

الركن الأول : الصيغة
       الصيغة في البيع هي كل ما يدل على رضاء الجانبين البائع والمشتري وهي أمران :
الأول : القول وما يقوم مقامه من رسول أو كتاب ، فإذا كتب لغائب يقول له : بعتك داري بكذا أو أرسل له رسولاً فقبل البيع في المجلس فإنه يصح ولا يغتفر له الفصل إلاّ بما يغتفر في القول حال حضور المبيع .
الثاني : المعاطاة وهي الأخذ والإعطاء بدون كلام كأن يشتري شيئاً ثمنه معلوم له فأخذه من البائع ويعطيه الثمن وهو يملك بالقبض ، ولا فرق بين أن يكون المبيع يسيراً كالخبز والبيض ونحوهما مما جرت العادة بشرائه متفرقاً أو كثيراً كالثياب القيمة .
       وأما القول : فهو اللفظ الذي يدل على التمليك والتملك ، كبعت واشتريت ويسمى ما يقع من البائع إيجاباً ، وما يقع من المشتري قبولاً ، وقد يتقدم القبول على الإيجاب ، كما إذا قال المشتري : بعني هذه السلعة بكذا .
       ويشترط للإيجاب والقبول شروط منها : أن يكون الإيجاب موافقاً للقبول في القدر والوصف والنقد والحلول والأجل ، فإذا قال البائع : بعت هذه الدار بألف فقال المشتري : قبلتها بخمسمائة لم ينعقد البيع ، وكذا إذا قال : بعتها بألف جنيه ذهباً ، فقال الآخر : قبلتها بألف جنيه ورقاً ، فإن البيع لا ينعقد إلاّ إذا كانت الألف الثانية مثل الأولى في المعنى من جميع الوجوه فإن البيع ينعقد في هذه الحالة ومنها : أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد ، فإذا قال أحدهما : بعتك هذا بألف ثم تفرقا قبل أن يقبل الآخر فإن البيع لا ينعقد ومنها : أن يفصل بين الإيجاب والقبول فاصل يدل على الإعراض ، أما الفاصل اليسير وهو الذي لا يدل على الإعراض بحسب العرف فإنه لا يضر .
       ومنها : سماع المتعاقدين كلام بعضهما ، فإذا كان البيع بحضرة شهود فإنه يكفي سماع الشهود بحيث لو أنكر أحدهما السماع لم يصدق ، فإذا قال : بعت هذه السلعة بكذا ، وقال الآخر : قبلت ، ثم تفرقا فادعى البائع أنه لم يسمع القبول أو ادعى المشتري بأنه لم يسمع الثمن مثلاً فإن دعواهما لا تسمع إلاّ بالشهود .

الركن الثاني : العاقدان
       وأما العاقدان سواءً كان بائعاً أو مشترياً فإنه يشترط له شروط ، منها : أن يكون : مميزاً فلا ينعقد بيع الصبي الذي لا يميز ، وكذلك المجنون ، أما الصبي المميز والمعتوه اللذان يعرفان البيع وما يترتب عليه من الأثر ويدركان مقاصد العقلاء من الكلام ويحسنان الإجابة عنها ، فإن بيعهما وشراءهما ينعقد ولكنه لا ينفذ إلاّ إذا كان بإذن من الولي في هذا الشيء الذي باعه واشتراه بخصوصه ، ولا يكفي الإذن العام .
       فإذا اشترى الصبي المميز السلعة التي أذن له وليه في شرائها انعقد البيع لازماً ، وليس للولي رده ، أما إذا لم يأذن وتصرف الصبي المميز من تلقاء نفسه فإن بيعه ينعقد ، ولكن لا يلزم إلاّ إذا أجازه الولي ، أو أجازه الصبي بعد البلوغ ومنها : أن يكون : رشيداً ، وهذا شرط لنفاذ البيع فلا ينعقد بيع الصبي مميزاً كان أو غيره ، ولا بيع المجنون والمعتوه والسفيه إلاّ إذا أجاز الولي بيع المميز منهم ، أما بيع غير المميز فإنه يقع باطلاً ولا فرق في المميز بين أن يكون أعمى أو مبصراً .
       ومنها : أن يكون : العاقد مختاراً فلا ينعقد بيع المكره ولا شراؤه لقوله تعالى : [ إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم ] . سورة النساء ، الآية 29 .
       وقوله عليه الصلاة والسلام : ( إنما البيع عن تراض ) رواه ابن حيان .

الركن الثالث : المعقود عليه
       يشترط في المعقود عليه ثمناً كان أو مثمناً شروط منها :
أ -    أن يكون طاهراً فلا يصح أن يكون النجس مبيعاً ولا ثمناً ، فإذا باع شيئاً نجساً أو متنجساً لا يمكن تطهيره فإن بيعه لا ينعقد ، وكذلك لا يصح أن يكون النجس أو المتنجس الذي لا يمكن تطهيره ثمناً ، فإذا اشترى أحد عيناً طاهرة وجعل ثمنها خمراً أو خنزيراً مثلاً فإن بيعه لا ينعقد .
ب -  أن يكون منتفعاً به انتفاعاً شرعياً فلا ينعقد بيع الحشرات التي لا نفع فيها .
ج -   أن يكون المبيع مملوكاً للبائع حال البيع ، فلا ينعقد بيع ما ليس مملوكاً إلاّ في السلم ، فإنه ينعقد بيع العين التي ستملك بعد .
د -    أن يكون مقدوراً على تسليمه ، فلا ينعقد بيع المغصوب لأنه وإن كان مملوكاً للمغصوب منه إلاّ أنه ليس قادراً على تسليمه إلاّ إذا كان المشتري قادراً على نزعه من الغاصب ، وإلا صح ، وأيضاً لا يصح أن يبيعه الغاصب لأنه ليس مملوكاً .
هـ-    أن يكون المبيع معلوماً والثمن معلوماً علماً يمنع من المنازعة ، فبيع المجهول جهالة تقضي إلى المنازعة غير صحيح كما إذا قال للمشتري : اشتري شاة من قطيع الغنم التي أملكها أو اشتري مني هذا الشيء بقيمته أو اشتري مني هذه السلعة بالثمن الذي يحكم به فلان ، فإن البيع في كل هذا لا يصح .
و -   أن لا يكون مؤقتاً كأن يقول له : بعتك هذا البعير بكذا لمدة سنة . [8]
       ومن الجدير بالملاحظة أنه في النظام الاقتصادي الإسلامي تخضع اركان وشروط عقد البيع في تنظيمها لقواعد الفقه الإسلامي المتعلق بالمعاملات .
وعند تطبيق هذه العقود لدى البنوك الإسلامية في عمليات التمويل ، فإن هذه العقود تخضع كذلك في تنظيمها للقواعد العامة للقانون الوضعي في الدولة التي يتم فيها التعاقد .



المطلب الثالث
أنواع البيوع
أولاً – تقسيم البيع باعتبار المبيع :
       ينقسم البيع باعتبار موضوع المبادلة فيه إلى أربعة أقسام :
1 -   البيع المطلق : هو مبادلة العين بالنقد وهو أشهر الأنواع ، ويتيح للإنسان المبادلة بنقوده على كل ما يحتاج إليه من الأعيان ، وينصرف إليه البيع عند الإطلاق فلا يحتاج كغيره إلى تقييد .
2 -   بيع السلم : ويسمى السلف ، هو مبادلة الدين بالعين أو بيع شيء مؤجل بثمن معجل .
3 -   بيع الصرف : وهو بيع جنس الأثمان بعضه ببعض ، وعرف بأنه بيع النقد بالنقد جنساً بجنس أو بغير جنس ، أي بيع الذهب بالذهب ، والفضة بالفضة ، وكذلك بيع أحدهما بالآخر .
       وإنما يسمى صرفاً : لوجوب دفع ما في يد كل واحد من المتعاقدين إلى صاحبه في المجلس .
       وشروطه أربعة :
أ -    التقابض قبل الافتراق بالأبدان بين المتعاقدين منعاً من الوقوع في ربا النسيئة لقوله (ص) : ( الذهب بالذهب مثلاً بمثل يداً بيد ، والفضة بالفضة مثلاً بمثل يداً بيد ) .
ب -  التماثل عند اتحاد الجنس : إذا بيع الجنس بالجنس كفضة بفضة أو ذهب بذهب فلا بد فيه من التماثل أي التساوي في الوزن والمقدار دون النظر إلى الجودة والصياغة .
ج -   أن يكون العقد باتاً وألا يكون فيه خيار الشرط لأن القبض في هذا العقد شرط وخيار الشرط بمنع ثبوت الملك أو تمامه كما عرفنا .
د -    التنجيز في العقد وألا يكون فيه أجل ، لأن قبض البدلين مستحق قبل الافتراق والأجل يؤخر القبض .
       فإذا اختل شرط من هذه الشروط فسد الصرف .
4 -   بيع المقايضة : وهو مبادلة مال بمال سوى النقدين ويشترط لصحته التساوي في التقابض إن اتفقا جنساً وقدراً فيجوز بيع لحم بشاة حية لأنه بيع موزون بما ليس بموزون ، وخبز بدقيق متفاضلاً لأنه بيع مكيل بموزون .
       ولا يجوز بيع التين الرطب بالتين اليابس إلاّ تماثلاً ، ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق أو البرغل مطلقاً ولو متساويين لانكباس الأخيرين في المكيال أكثر من الأول ، أما إذا بيع موزوناً فالتماثل واجب . [9]
ثانياً – تقسيم البيع باعتبار طريقة تحديد الثمن :
       ينقسم البيع باعتبار طريقة تحديد الثمن إلى ثلاثة أنواع :
1 -   بيع المساومة : هو البيع الذي لا يظهر فيه رأس ماله ، أي البيع بدون ذكر ثمنه الأول .
2 -   بيع المزايدة : هو أن يعرض البائع سلعته في السوق ويتزايد المشترون فيها فتباع لمن يدفع الثمن أكثر .
       ويقارب المزايدة الشراء بالمناقصة ، وهي أن يعرض المشتري شراء سلعة موصوفة بأوصاف معينة ، فيتنافس الباعة في عرض البيع بثمن أقل ، ويرسو البيع على من رضي بأقل سعر ، ولم يتحدث الفقهاء قديماً عن مثل هذا البيع ولكنه يسري عليه ما يسري على المزايدة مع مراعاة التقابل .
3 -   بيوع الأمانة : هي التي يحدد فيها الثمن بمثل رأس المال أو أزيد أو أنقص وسميت بيوع الأمانة لأنه يؤمن فيها البائع في إخباره برأس المال ، وهي ثلاثة أنواع :
أ -    بيع المرابحة : وهو بيع السلعة بمثل الثمن الأول الذي اشتراها البائع مع زيادة ربح معلوم متفق عليه .
ب -  بيع التولية : وهو بيع السلعة بمثل ثمنها الأول الذي اشتراها البائع به من غير نقص ولا زيادة .
ج -   بيع الوضيعة : وهو بيع السلعة بمثل ثمنها الأول الذي اشتراها البائع به مع وضع (حط) مبلغ معلوم من الثمن ، أي بخسارة محددة .
       هذا وفي حالة كون البيع يتم لجزء من المبيع ، فإنه يسمى بيع (الاشتراك) وهو لا يخرج عن الأنواع المتقدمة المذكورة من البيوع . [10]
ثالثاً – تقسيم البيع باعتبار طريقة تسليم الثمن :
1 -   بيع منجز الثمن : وهو ما يشترط فيه تعجيل الثمن ، ويسمى بيع النقد أو البيع بالثمن الحال .
2 -   بيع مؤجل الثمن : وهو ما يشترك فيه تأجيل الثمن .
3 -   بيع مؤجل المثمن : وهو مثل بيع السلم وبيع الاستصناع .
4 -   بيع مؤجل العوضين : أي بيع الدين بالدين وهو ممنوع في الجملة . [11]
رابعاً – تقسيم البيع باعتبار الحكم الشرعي :
       ينقسم البيع باعتبار الحكم الشرعي إلى أنواع كثيرة منها :
       1 -   البيع المنعقد ويقابله البيع الباطل .
       2 -   البيع الصحيح ويقابله البيع الفاسد .
       3 -   البيع النافذ ويقابله البيع الموقوف .
       4 -   البيع اللازم ويقابله البيع غير اللازم (ويسمى الجائز أو المخير) .
أ -    فالبيع اللازم : هو البيع الذي يقع باتاً إذا عري عن الخيارات ، كبعتك هذا الثوب بعشرة قروش ، وقبل المشتري .
ب -  والبيع غير اللازم : وهو ما كان فيه إحدى الخيارات ، كبعتك هذا الثوب بعشرة قروش ، فقال المشتري : قبلت على أني بالخيار ثلاثة أيام .
ج -   والبيع الموقوف : ما تعلق به حق الغير كبيع إنسان مال غيره بغير إذنه .
د -    أما البيع الصحيح النافذ اللازم : فهو ما كان مشروعاً بأصله ووصفه ، ولم يتعلق به حق الغير ولا خيار فيه وحكمه أنه يثبت أثره في الحال .
هـ-    أما البيع الباطل : فهو ما اختل ركنه أو محله أو لا يكون مشروعاً بأصله، ولا بوصفه وحكمه أنه لا يعتبر منعقداً فعلاً .
و -   والبيع الفاسد : هو ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه ، كمن عرض له أمر أو وصف غير مشروع مثل بيع المجهول جهالة تؤدي للنزاع ، كبيع دار من الدور أو سيارة من السيارات المملوكة لشخص دون تعيين ، وكإبرام صفقتين في صفقة ، وحكمه أنه يثبت فيه الملك بالقبض بإذن المالك صراحة أو دلالة .
- الضابط الذي يميز الفاسد عن الباطل :
1 -   إذا كان الفساد يرجع للمبيع فالبيع باطل .
2 -   أما إذا كان الفساد يرجع للثمن ، فإن البيع يكون فاسداً ، أي أنه ينعقد بقيمة المبيع .
أنواع البيع الباطل :
       وهي ستة أنواع كالآتي :
       1 -   بيع المعدوم .               2 -   بيع معجوز التسليم .
       3 -   بيع الغرر .                 4 -   بيع النجس والمتنجس .
       5 -   بيع العربون .               6 -   بيع الماء . [12]





المطلب الرابع
البيوع المستخدمة لدى البنوك الإسلامية
       اتجهت البنوك الإسلامية بنشاط ملحوظ لاستخدام البيوع في عمليات التمويل التي تقدمها ، ولتجاوز الصعوبات التي واجهتها في أنواع التمويل الأخرى كالمضاربة والمشاركة ، ومن البيوع التي استخدمتها هذه البنوك ووجدت بها وسيلة ملائمة لأغراض التمويل الإسلامي ، بيع المرابحة وبيع الأجل .
       ومن خلال المقارنات مع أساليب التمويل الأخرى في المباحث السابقة تبين لنا أن المراجعة قد احتلت الحجم الأكبر بين أساليب التمويل المستخدمة ، لسهولة التعامل بها ووضوح تطبيقاتها .
       وبيع المرابحة : أحد بيوع الأمانة والتي سبق بيانها في الفرع السابق ، ومثله بيع التولية وبيع الوضيعة ، ولأهمية سنفرد له مبحثاً مستقلاً فيما بعد ، وبيوع الأمانة يجوز عقدها بالدفع العاجل أو السداد الأجل .
       وبيع الأجل : هو البيع الذي يتفق فيه العاقدان على تأجيل دفع الثمن إلى موعد محدد في المستقبل ، وقد يكون الدفع جملة واحدة ، أو على أقساط ، ولا بد فيه من معلومية الأجل ، ولا مانع من اشتمال الثمن على زيادة ضمنية عن ثمن البيع الحال ولكن لا يزيد مقدار الثمن المؤجل إذا لم يدفع في موعده . [13]
       والبيع المؤجل الثمن أو البيع بالنسيئة هو بيع ائتماني لأن سداد الثمن فيه يتم بتاريخ لاحق على إبرام العقد وتسليم المبيع للمشتري ، بخلاف البيع العادي ، وسواءً دفع الثمن مرة واحدة أو على أقساط في آجال محددة وبوجود دفعة أولى أو بدونها ، ففي كل الحالات يستفيد المشتري من الأجل الممنوح له من البائع .
       ويخضع بيع الأجل للشروط العامة في العقود ، وتلك الخاصة بعقد البيع ، وأخرى متعلقة به وهي :
أ -    تحديد الثمن الذي قد يكون هو نفسه المطلوب في البيع الناجز ، وقد يكون بزيادة عليه .
ب -  الاتفاق على مبدأ التأجيل وتاريخ السداد وكيفيته .
ج -   إذا وقع الاختيار على السداد بالأقساط وليس دفعة واحدة ، وهي الحالة الغالبة عملياً ، فيجب تحديد مقدار كل قسط وتاريخ استحقاقه .
د -    وهناك من يضيف شرط تسليم المبيع للمشتري لأن استحقاق الثمن يبدأ من وقت التسليم .
       ويدخل في إطار هذا البيع :
1 -   بيع السلم : أو البيع المعجل الثمن المؤجل التسليم ، وهو بيع من نوع خاص .
2 -   البيع بالتقسيط : وهو أحد أشكال القروض الاستهلاكية التي تقدمها البنوك والشركات المتخصصة للأفراد من أجل شراء السلع المعمرة . [14]
       وبالرغم من الاختلاف على مشروعيته ، فإن الفقه المتعلق بمعاملات البنوك الإسلامية حسم فيه واعتبره جائزاً وبإمكان البنوك استخدامه دون حرج . [15]








المبحث الثاني
المرابحة

       وسنتناول هذا المبحث في ثلاثة مطالب ، الأول في بيع المرابحة العادية ، والثاني طبيعة المرابحة ومشروعيتها والثالث شروط صحة  المرابحة .

المطلب الأول
المرابحة العادية
       المرابحة صورة من صور البيع ، وعلى وجه التحديد من بيوع الأمانة ، وهي البيوع التي تستند على الثقة بين المتبايعيين وتعتمد رأس المال أساساً للثمن ، ومنها بيع التولية والوضيعة .
       وكما أوضحنا فيما تقدم ، يجوز إبرام هذه البيوع بالدفع العاجل أو السداد بالأجل .
       وقد اتفق المسلمون على جوازها استناداً إلى عموم الأدلة التي تبيح البيع بصفة عامة ، ووضعوا لها من الشروط والضوابط بحيث تبقى في إطار الصدق والأمانة الذي تدور عليه هذه البيوع .
       والأهم في هذه البيوع هو بيع المرابحة ، والذي استخدمته البنوك الإسلامية كأداة للتمويل لديها ، ولتقوم هذه الأداة الإسلامية المشروعة ، فيما بعد وبشكل رئيسي ، مقام نظام التمويل بالفائدة لدى البنوك التقليدية ، وقد احتل نظام التمويل بالمرابحة للأمر بالشراء ، الدرجة الأولى بين أدوات التمويل المستخدمة لدى البنوك الإسلامية .
       وسنتناول في هذا المطلب موضوع المرابحة العادية من حيث طبيعتها وشروطها وضوابطها وتطبيقاتها العملية في عدد من الفروع فيما يلي :



المطلب الثاني
طبيعة المرابحة ومشروعيتها
       المرابحة لغة : مصدر من الربح هي الزيادة . [16]
       وهي مفاعلة من الربح ، وهو النماء في التجارة (التجر) . [17]
       وفي الاصطلاح الفقهي : عرفها المالكية بأنها : ( مبيع السلعة بالثمن الذي اشتراها به مع زيادة ربح معلوم ) . [18]
       وعرفها الحنابلة بأنها : ( بيع برأس المال وربح معلوم ) . [19]
       وعرفها الحنفية بأنها : ( بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح ) . [20]
       وعرفها الشافعية بأنها : ( عقد يبنى الثمن فيه على ثمن البيع الأول مع زيادة ) . [21]
       مشروعيتها : يستمد بيع المرابحة مشروعيته من القرآن والسنّة واتفاق الفقهاء حوله من حيث المبدأ .
       في القرآن : قال تعالى : [ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ] . سورة البقرة ، الآية 198 .
       وذلك أن المرابحة تمثل ابتغاء للفضل أي الزيادة ، كما أنها تدخل في عموم عقود البيع المشروعة لقوله تعالى : [ وأحل الله البيع وحرّم الربا ] . سورة البقرة، الآية 275 .
       في السنّة : كما أجاز الرسول عليه الصلاة والسلام بيع السلعة بأكثر من رأس مالها في قوله عليه السلام : ( البيعان بالخيار ما لم يفترقا ) .
       وأيضاً : ( لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره ، خير من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه ) . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح سواءً بسواء ، مثلاً بمثل ، يداً بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم ) . [22]
       اتفاق الفقهاء : هناك أيضاً فتوى صادرة عن مؤتمر المصاريف الإسلامية الثاني تقول : ( إن المواعدة على بيع المرابحة للأمر بالشراء ، بعد تملك السلعة المشتراة وحيازتها ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الوعد السابق هو أمر جائز شرعاً طالما كانت تقع على المصرف مسؤولية الهلاك قبل التسليم ، وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي ، أما بالنسبة للوعد وكونه ملزم للأمر بالشراء أو المصرف أو كليهما فإن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعاً ، وكل مصرف مخيّر في الأخذ بما يراه في مسألة القول بالإلزام حسب ما تراه هيئة الرقابة الشرعية لديه ) . [23]



المطلب الثالث
شروط صحة المرابحة
       المرابحة بيع كالبيوع تحل بما تحل به البيوع ، فحيث يكون البيع حلالاً فهي حلال ، وحيث كان البيع حراماً فهي حرام ، ولكن يلزم لصحة المرابحة بالإضافة إلى الشروط العامة في العقود ( كالأهلية والمحل والصيغة ) بعض الشروط الأخرى منها ما يلي :
1 -   أن يكون الثمن الأول معلوماً للمشتري الثاني ، لأن المرابحة بيع بالثمن الأول مع زيادة ربح ، والعلم بالثمن الأول شرط لصحة البيع فإذا لم يكن معلوماً فهو بيع فاسد . [24]
2 -   أن يكون الربح معلوماً لأنه بعض الثمن ، والعلم بالثمن شرط لصحة البيع.[25]
3 -   أن لا يكون الثمن في العقد الأول مقابلاً بجنسه من أموال الربا ، فإن كان كذلك بأن اشترى المكيل أو الموزون بجنسه مثلاً بمثل لم يجز بأن يبيعه مرابحة ، لأن المرابحة بيع بالثمن الأول وزيادة ، والزيادة في أموال الربا تكون ربا لا ربحاً . [26]
4 -   أن يكون رأس المال من المثليات كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة ، فإن كان قيمياً مما لا مثل له من العروض لم يجز بيعه مرابحة، لأن المرابحة بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح . [27]
5 -   أن يكون عقد البيع الأول صحيحاً ، فإن كان فاسداً لم تجز المرابحة ، لأن المرابحة بيع بالثمن الأول مع زيادة ربح ، والبيع الفاسد يثبت الملك فيه بقيمة المبيع إن كان قيمياً أو بمثله إن كان مثلياً ، لا بالثمن المسمى لفساد التسمية ، والمملوك بالقيمة لا يباع مرابحة ، لأن القيمة مجهولة لا تعرف إلاّ بالتقويم ، والمرابحة بيع بالثمن الأول مع زيادة ربح والثمن الأول هنا مجهول القيمة . [28]
       وتوجد شروط أخرى متعلقة بكل من بيان العيب ، وما قد يطرأ على المبيع من الزيادة أو النقصان ولأن بيع المرابحة من بيوع الأمانة ، فيمتنع فيها على البائع خيانة المشتري في ثمن البيع صفة وقدراً ، أو في المبيع من حيث سلامته أو تعيبه .
       وقد شرح أئمة المذاهب الإسلامية والفقهاء المسلمون من بعدهم هذه الأمور بالتفصيل الدقيق مع ضرب الأمثلة عليها ، ليرجع إليها من يريد الاستزادة في هذا الموضوع . [29]
       ومما سبق ذكره من شروط خاصة بالمرابحة ، يتبين وجوب أن يكون المبيع حاضراً يراه المشتري ، أو أن يكون قد رآه وعرفه ، وأن يعرف المشتري مقدار الثمن الأصلي ومقدار الربح الذي سيدفعه زيادة عن الثمن الأصلي ، إن كان المبيع حالاً .
       وأن يعرف مقدار الثمن الآجل إن كان بيع المرابحة مرتبطاً بالأجل ، لأن الثمن الآجل يكون أعلى من الثمن الحال عادة .










المصادر والمراجع



1.     عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري ، الفقه على المذاهب الأربعة ، دار ابن هشام ، القاهرة 
2.     العلامة علي حيدر ،درر الحكام في شرح مجلة الاحكام، دار الجليل بيروت ، المجلد الثالث.
3.     القانون المدني الأردني ( م 465).
4.     عبد الرزاق السنهوري ، الوسيط في شرح القانون المدني/التامينات اشخصية والعينية، دار احياء التراث العربي، سنة 1970.

5.     عمر عبد الله كامل ، القواعد الفقهية الكبرى وأثرها في المعاملات المالية ، دار الكتب ، القاهرة 2000.
  1. عبد الستار أبو غدة ، اوفوا بالعقود،منشورات مجموعة دلة البركة، 1977.
7.     عائشة المالقي ،البنوك الاسلامية( التجربة بين الفقه والقانون والتطبيق)، المركز الثقافي العربي، ط1 ، سنة 2000.
8.  الفتاوى الشرعية، الجزء الثاني، البنك الإسلامي الأردني، الفتاوى الصادرة عن ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي المنعقدة في المدينة المنورة بتاريخ 17-20 رمضان 1403هجري  .
  1. محمد بن كرم ابن منظور، لسان العرب،دار صادرن بيروت.
10. عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي،المغني ،الرياض، مكتبة الرياض الحديثة،1401هـ .
11. علاء الدين بن مسعود الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتاب العربي، ط2،بيروت ،1394هـ .
12. يحيى بن شرف النووي، روضة الطالبين، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، قطر.
13. مسلم بن حجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، المكتبة العصرية، صيدا ، بيروت ، سنة 2004.
14. فتاوى المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي، المنعقد في دولة الكويت ما بين 6-8 جمادى الأخرى 1403هـ الموافق 21-23 آذار سنة 1983.
15.  مصطفى طايل،القرار الاستثنماري في البنوك الاسلامية، مطابع غاشي، طنطا، سنة 1999.
16.  محمد صلاح الصاوي، مشكلة الاستثمار في البنوك الاسلامية، دار الوفاء، المنصورة، ط1 ، سنة 1990.
17.  عبد الرزاق الهيتي، المصارف الاسلامية بين النظرية والتطبيق، دار اسامةللنشر، الاردن، عمان،ط1 ، 1998، ص 512 .    





(1) عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري ، الفقه على المذاهب الأربعة ، دار ابن الهيثم ، القاهرة  ص 491 .
(1) عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري ، الفقه على المذاهب الأربعة ،ص 495 .
(2) العلامة علي حيدر ،درر الحكام في شرح مجلة الاحكام، دار الجليل بيروت ، المجلد الثالث ، ص 101 .
(1) عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري ، الفقه على المذاهب الأربعة ، ص 495 .
(2) العلامة علي حيدر ،درر الحكام في شرح مجلة الاحكام، المجلد الثالث ، ص 101 .
(3) القانون المدني الأردني ( م 465).
(4) عبد الرزاق السنهوري ، الوسيط في شرح القانون المدني ، ص 20 .
     نص المادة (418) من القانون المدني المصري ويقابل هذا النص في القوانين العربية الأخرى المادة (386) في المدني السوري و (407) في المدني الليبي و (506-507) في المدني العراقي و (372) في الموجبات والعقود اللبناني .
(1) عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري ، الفقه على المذاهب الأربعة ، ص 495-501 .

(1) عمر عبد الله كامل ، القواعد الفقهية الكبرى وأثرها في المعاملات المالية ، دار الكتب ، القاهرة 2000 ، ص 365-367 .

(1) العلامة علي حيدر ، درر الحكام في شرح الأحكام ، دار الجليل ، بيروت ص 101-131 .
(2) عمر عبد الله كامل ، ، القواعد الفقهية الكبرى وأثرها في المعاملات المالية ، ص 369 .
(1) عبد الرحمن الجزيري ،  الفقه على المذاهب الأربعة ، ص 533-543 .
(1) عبد الستار أبو غدة ، اوفوا بالعقود،منشورات مجموعة دلة البركة، 1977، ص 14 .
(1)عائشة المالقي ،البنوك الاسلامية( التجربة بين الفقه والقانون والتطبيق)، المركز الثقافي العربي، ط1 ، سنة 2000، ص 427-428 .
(2) الفتاوى الشرعية، الجزء الثاني، البنك الإسلامي الأردني، الفتاوى الصادرة عن ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي المنعقدة في المدينة المنورة بتاريخ 17-20 رمضان 1403هجري ، والتي شارك فيها العلماء الشيوخ عبد الحميد السايح (صديق الضرير) زكريا البري (حسن الأمين) عبد الله علوان والمقرر سامي حمو، ص 28-29 .
    
(1) عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة ، ص 562 .
(2)محمد بن كرم ابن منظور، لسان العرب،دار صادرن بيروت، الجزء الثاني، ص 442-443 .
(1) عبد الرحمن الجزيري ، الفقه على المذاهب الأربعة، ص 562 .
(2) عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي،المغني ،الرياض، مكتبة الرياض الحديثة،1401ه، ج5،ص199.
(3) علاء الدين بن مسعود الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الكتاب العربي، ط2،بيروت ،1394هـ،ج5،ص222.
(4) يحيى بن شرف النووي، روضة الطالبين، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، قطر،ج3 ،ص526 .
(1) مسلم بن حجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، المكتبة العصرية، صيدا ، بيروت ، سنة 2004،كتاب البيوع، ص 568 وما بعدها .
(2) فتاوى المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي، المنعقد في دولة الكويت ما بين 6-8 جمادى الأخرى 1403هـ الموافق 21-23 آذار سنة 1983، حيث شارك فيه كلاً من العلماء الشيوخ إبراهيم المحمود، بدر المتولي عبد الباسط، حسن عبد الله الأمين، زكريا البري، زكي الدين شعبان، عبد الحميد السائح، محمد الحبيب الخوجة ، محمد سليمان الأشقر، محمد الصديق الضرير، يوسف القرضاوي، المصدر، الفتاوى الشرعية، الجزء الثاني، البنك الإسلامي الأردني، المرجع السابق ، ص 49-52 .
(1) مصطفى طايل،القرار الاستثنماري في البنوك الاسلامية، مطابع غاشي، طنطا،سنة 1999، ص 202 .
(2) محمد صلاح الصاوي، مشكلة الاستثمار في البنوك الاسلامية، دار الوفاء، المنصورة، ط1 ، سنة 1990، ص 206     
(3)عبد الرزاق الهيتي، المصارف الاسلامية بين النظرية والتطبيق، دار اسامةللنشر، الاردن، عمان،ط1 ، 1998، ص 512 .
(4) عائشة المالقي،البنوك الاسلامية ( التجربة بين الفقه والقانون والتطبيق)،  ص 423 .
(1) عمر عبد الله كامل، القواعد الفقهية الكبرى وأثرها في المعاملات المالية، ص 106 .
(2) عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الاربعة، ص 562-564 .